إبراهيم بن محمد الميموني
56
تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام
وحرمها أمنا من الجبابرة والخسف وغيرهما كان منذ خلق اللّه السماوات والأرض ، وإبراهيم صلى اللّه عليه وسلم إنما أظهر حرمتها لسؤاله المذكور في القرآن لما اندرس البيت من الطوفان ونسي حكمه وهجر ، وأنه لم يسأل إلا أمنا مخصوصا كالأمن من الجدب والقحط أي : القاتل وإلا فكم وقع منها من جدب لا يطاق انتهى . وقال الدمامينى « 1 » في شرح البخاري في تفسير قوله تعالى : « أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً » أنه تطرق جماعة من الملاحدة إلى الطعن في ذلك والعياذ باللّه تعالى بقتل عبد اللّه بن الزبير رضى اللّه عنهما وغيره ممن قتل في الحرم ، يشيرون بذلك إلى وقوع الخلف في القرآن بزعمهم فقال القاضي أبو بكر الباقلاني : الخبر هنا مراد به الأمر كقوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ « 2 » وقال عليه الصلاة والسلام : « من ألقى سلاحه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن » إلى غير ذلك ، قال ابن المنير : الأوجه في إبطال كلام الملاحدة أن يقال : إن اللّه تعالى خاطب العرب كما تتخاطب ، ولا شك أن لسانها يقتضى وصف المدن بأنها مأمن ووصف المفاوز بأنها مخاوف ، ولا ينكر هذا إلا متعنت جاهل ، ثم الأمر محمول فيه على الغالب ، وإلا فليس كل من كان بمدينة لا يهلك ولا كل من كان بمفازة يهلك ، فدل ذلك على أنهم إنما يضيفون ذلك إلى الغلبة ، ولا شك أن الحرم في الجاهلية وما تقدم عليها لم يزل متميزا على غيره بمهابة تصد عن السفك فيه غالبا فصح وصفه بالأمن وحمل الكلام على الخبر الحسن وهو الأصل ، وأيضا لو حمل على الأمر لم يكن له مزية ؛ لأن السفك إن كان بالباطل فهو منهى عنه مطلقا في الحرم وغيره ، وإن كان بحق فالحكم عندنا أن تستوفى الحدود في الحرم ، فأين المزية باعتبار الحكم إذن ؟ وحمل الأمر على حالة اختص بها يوم الفتح بعيد ، فإن أمان الفتح ما كان معروفا بمكة إلا لمن أغلق بابه ولمن دخل دار فلان ونحو ذلك ، وأما ما كان من الكفار في الطرقات والشعاب فلم يكن حينئذ مؤمنا ، والحرم أعم من مكة يتناولها ، ويسمى الحرم كله مقام إبراهيم ؛ لأن المقام فيه وهذا هو الأظهر انتهى كلام الدمامينى .
--> ( 1 ) مشكاة المصابيح مخطوط لوحة 130 . ( 2 ) البقرة آية : 228 .